تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في المملكة المغربية جدلاً متصاعداً ومخاوف جدية بشأن التأثيرات السلبية للألعاب الإلكترونية، وتحديداً لعبتي "فري فاير" (Free Fire) و"روبلوكس" (Roblox). وقد انتقل هذا الجدل من منصات التواصل الاجتماعي ومجالس الآباء القلقين إلى قبة البرلمان، حيث تعالت الأصوات المطالبة بتدخل حكومي عاجل لحظر هذه التطبيقات أو تقنينها بصرامة، نظراً لما تشكله من تهديد حقيقي للصحة النفسية والجسدية للأطفال والمراهقين، فضلاً عن مخاطر الاستغلال المالي والابتزاز الإلكتروني.
تحرك برلماني عاجل لحماية الطفولة
وجهت عدة فرق برلمانية في مجلس النواب المغربي أسئلة كتابية وشفهية إلى الحكومة، وتحديداً لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، حول التدابير المزمع اتخاذها لمواجهة الانتشار المقلق لهذه الألعاب. ويستند النواب في مطالبهم إلى تقارير تربوية ونفسية تحذر من تسبب هذه الألعاب في حالات عزلة اجتماعية، وتراجع في التحصيل الدراسي، واضطرابات سلوكية تميل نحو العنف.
لماذا "فري فاير" و"روبلوكس" تحديداً؟
رغم وجود آلاف الألعاب، إلا أن التركيز انصب على هذين العنوانين لعدة أسباب جوهرية:
- لعبة فري فاير (Free Fire): تتهم بتشجيع العنف المفرط، وتنمية غريزة البقاء بطرق عدوانية، إضافة إلى استنزاف جيوب الآباء عبر عمليات الشراء داخل اللعبة التي تدفع الأطفال أحياناً للسرقة من ذويهم.
- لعبة روبلوكس (Roblox): رغم مظهرها البريء، إلا أنها تتيح بيئة مفتوحة للتواصل (Chat)، مما يجعل الأطفال عرضة للتحرش الجنسي، التنمر، أو الاستدراج من قبل "البيدوفيليين" الذين يتخفون خلف شخصيات افتراضية.
المخاطر الصحية والنفسية: ناقوس الخطر
يؤكد خبراء علم النفس والاجتماع أن الإدمان على هذه الألعاب يؤدي إلى ما يسمى بـ "الإنهاك الرقمي". وتشمل الأعراض الصحية:
- اضطرابات النوم الحادة والأرق.
- مشاكل في البصر وآلام العمود الفقري نتيجة الجلوس الطويل.
- زيادة معدلات التوتر والقلق والاكتئاب.
وفي هذا السياق، أشارت جمعيات حماية المستهلك في المغرب إلى ضرورة تفعيل الرقابة الأبوية الرقمية، لكنها شددت على أن الحجب قد يكون حلاً ضرورياً في ظل عجز الأسر عن السيطرة التقنية على الهواتف الذكية لأبنائهم.
تجارب دولية وموقف الحكومة
يستشهد المطالبون بالحظر بتجارب دول عربية وأجنبية قامت بحجب ألعاب مماثلة مثل "ببجي" (PUBG) أو "الحوت الأزرق" سابقاً حفاظاً على السلم الاجتماعي. وحتى الآن، لم يصدر قرار رسمي قاطع من الحكومة المغربية بالحظر النهائي، إلا أن أخبار التكنولوجيا تشير إلى أن الوزارة الوصية تدرس الملف بجدية، مع التركيز على حملات التوعية الرقمية كخطوة أولى قبل اللجوء للحلول التقنية الجذرية.
دور الأسرة والمجتمع المدني
لا يقع العبء على الدولة وحدها؛ إذ ينصح الخبراء بضرورة:
- تحديد ساعات لعب صارمة للأطفال.
- استخدام برامج الرقابة الأبوية (Parental Control).
- مراقبة سلوك الطفل وتغيراته النفسية باستمرار.
- فتح قنوات حوار مع الأبناء حول مخاطر الفضاء الرقمي.
تحليل المشهد الإخباري
يُظهر تحليل هذا الموضوع أن المغرب يمر بمرحلة انتقالية حرجة في تعامله مع الفضاء الرقمي. الدعوات للحظر ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي انعكاس لقلق مجتمعي عميق من فقدان السيطرة على تنشئة الجيل الجديد. من الناحية التقنية والقانونية، يعتبر الحظر الكلي (Total Ban) تحدياً صعباً نظراً لوجود برامج VPN وطرق التفافية، مما يجعل المقاربة التشاركية (تشريع + توعية + تقنية) هي الحل الأمثل. البرلمان المغربي يمارس دوره الرقابي، لكن الكرة الآن في ملعب الحكومة لإيجاد توازن بين الحريات الرقمية وحماية القاصرين، وهو نقاش عالمي لا يقتصر على المغرب فحسب.
في الختام، تبقى قضية حظر "فري فاير" و"روبلوكس" في المغرب ملفاً مفتوحاً على كل الاحتمالات. وبينما ينتظر الجميع قراراً حكومياً حاسماً، تظل المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتق الأسرة لكونها الحصن الأول للدفاع عن سلامة الأطفال النفسية والجسدية. إن حماية الجيل القادم من مخاطر التكنولوجيا لا تقل أهمية عن حمايتهم من مخاطر الواقع، مما يستدعي تكاتف جهود الجميع دون استثناء.
المصدر: Doketi News
