في خطوة دبلوماسية تحمل دلالات سياسية عميقة وتؤكد الثبات على الموقف الجديد لمدريد، وجهت الدبلوماسية الإسبانية رسالة حازمة للأطراف الإقليمية برفضها إقحام الكيانات الانفصالية في المحادثات الرسمية. فقد امتنع وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، بشكل قاطع عن عقد أي لقاء مع ممثل جبهة "البوليساريو" على هامش تواجده في العاصمة الإسبانية، في وقت فتحت فيه أبواب الوزارة لممثلي الدول المعنية بالنزاع، مما يعكس عزماً دولياً غير مسبوق لطي ملف الصحراء المغربية بناءً على الواقعية السياسية.
رسالة مدريد الواضحة: لا عودة للوراء
شهدت العاصمة الإسبانية مدريد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، حيث خصّ وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، وزراء خارجية كل من المغرب وموريتانيا والجزائر باستقبالات رسمية في مقر الوزارة، بالإضافة إلى اجتماعه بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا. وفي مفارقة صارخة، تم استثناء ممثل جبهة "البوليساريو" المتواجد حينها في اجتماعات بالسفارة الأمريكية من أي استقبال رسمي إسباني.
ويُقرأ هذا التجاهل المتعمد كترجمة عملية للموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وتأكيداً على أن مدريد لم تعد تقبل بازدواجية المعايير أو التراجع عن خارطة الطريق التي رسمتها مع الرباط.
واشنطن وترامب: دينامية جديدة لطي الملف
تتزامن هذه التطورات مع زخم سياسي كبير تقوده الولايات المتحدة في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. وتشير المعطيات إلى رغبة أمريكية حثيثة في إغلاق هذا الملف بشكل نهائي، مدعومة بقرارات مجلس الأمن الدولي التي عززت من وجاهة الطرح المغربي.
وقد كشفت مصادر مطلعة عن تحركات يقودها مستشارون بارزون للرئيس الأمريكي، من بينهم مسعد بولس وجاريد كوشنر، إلى جانب السفير الأمريكي في لندن، بهدف هندسة مفاوضات سلام شاملة. هذه التحركات تهدف إلى تجاوز حالة الجمود ودفع الجزائر والمغرب نحو اتفاق ينهي نزاعاً استمر لنصف قرن، مع التركيز على الحلول السياسية الواقعية.
الجزائر أمام مسؤوليتها التاريخية
يرى المراقبون أن السياق الدولي الحالي لم يعد يحتمل سياسة "إدارة النزاع"، بل يتجه نحو حله. وهذا يضع الجزائر أمام مسؤوليتها كطرف رئيسي في النزاع حول الصحراء المغربية، وليس مجرد مراقب، كما تروج روايتها الرسمية. فالضغط الدولي المتزايد، والموقف الإسباني الحاسم، يشيران إلى نفاد صبر المجتمع الدولي تجاه استمرار توظيف البوليساريو لعرقلة الاندماج المغاربي والاستقرار الإقليمي.
لمزيد من التحليلات المعمقة حول السياسة الخارجية، يمكنكم زيارة Doketi News لمتابعة آخر التطورات.
تحليل المشهد الإخباري
يعكس هذا الحدث تحولاً نوعياً في العقيدة الدبلوماسية الإسبانية، التي انتقلت من الحياد السلبي إلى الشراكة الاستراتيجية الفاعلة مع المغرب. رفض ألباريس لقاء ممثل البوليساريو ليس مجرد بروتوكول، بل هو إعلان سياسي بأن مدريد لا تعترف بهذه الكيان كطرف ذي صفة دبلوماسية موازية للدول. من جهة أخرى، يشير الدخول الأمريكي القوي على الخط، عبر شخصيات مقربة جداً من دائرة صنع القرار في البيت الأبيض (كوشنر وبولس)، إلى أن واشنطن تسعى لتحقيق نصر دبلوماسي في شمال أفريقيا يضمن الاستقرار ويقطع الطريق على التدخلات الخارجية الأخرى. هذا الوضع يضيق الخناق على الأطروحات الانفصالية ويجعل خيار الحكم الذاتي هو الممر الإجباري والوحيد للحل.
في المحصلة، تبدو الأبواب موصدة أكثر من أي وقت مضى أمام أطروحات الانفصال. بين الحزم الإسباني في مدريد، والدينامية الأمريكية المتجددة في واشنطن، تتشكل ملامح شرق أوسط وشمال أفريقيا جديدين، حيث لا مكان للنزاعات المفتعلة. والكرة الآن في ملعب الجزائر للانخراط بجدية في مسار التسوية النهائية الذي بات يحظى بإجماع دولي غير مسبوق.
المصدر: Doketi News
