أُسدِل الستار على الجلسة الماراثونية التي عقدتها محكمة التحكيم الرياضية الدولية (طاس) بخصوص الملف المثيرة للجدل لنهائي كأس أمم إفريقيا، وسط متابعة إعلامية وجماهيرية واسعة. وتأتي هذه التغطية الشاملة لتسليط الضوء على الحقائق الموثوقة الكافية لقطع الطريق أمام الشائعات والروايات غير الدقيقة التي رافقت المرافعة.
تركيبة قانونية رفيعة المستوى لفك شفرات الملف
شَهِدت الجلسة حضور هيئة تحكيمية تشكّلت من كبار خبراء القانون الرياضي الدولي حِرصاً من المحكمة على تحقيق أعلى درجات العدالة الرياضية؛ حيث ترأس الجلسة الخبير القانوني الفرنسي جيرار سيمون، بمساعدة أستاذ القانون الدولي الإيطالي لويدجي فوماتغالي، والمحامي المعتمد لدى هامبورغ وأستاذ القانون بجامعة زيورخ أورليش هاس.
التكييف القانوني للمواجهة أمام "طاس"
على عكس ما يروج في بعض الوسائط الإعلامية، لم تكن المواجهة القضائية مباشرة بين الاتحاد السنغالي والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بل تشكلت الخصومة القانونية أساساً بين الاتحاد السنغالي والاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف). وقد حضر الجانب المغربي كطرف معنيٍّ للدفاع عن حقوقه المشروعة واستحقاقه للقب القاري المؤكد بقرار سابق من لجنة الاستئناف التابعة لـ "الكاف".
وتركزت مرافعات المحكمة حول مدى التزام "الكاف" بالمساطر التأديبية واللوائح المنظمة، وتبين أن الجهاز القاري يدافع بقوة عن قراره التأديبي القاضي بمنح الفوز للمنتخب المغربي بنتيجة ثلاثة أهداف لصفر وإعلانه بطلاً لإفريقيا، باعتبار أن إلغاء القرار يمس بهيبة ومصداقية مؤسسة "الكاف" التنظيمية.
أوراق الدفاع ومفاجأة "التقرير الثاني"
ظهر وفد الدفاع المغربي بثقة وثبات لافِتَيْن اعتماداً على ترسانة من المستندات والوثائق القانونية. وضَمّ الملف المغربي أدلة رقمية وتسجيلات فيديو عالية الدقة تُوثّق انسحاب المنتخب السنغالي وتفاصيل الأحداث داخل مستودع الملابس خلال فترة توقف المباراة. كما استعان الجانب المغربي بشهادات خبراء دوليين في التحكيم والقانون الرياضي.
وكان الشق الأكثر إثارة في الجلسة هو ظهور وثيقة جديدة تمثلت في "التقرير الثاني" الصادر عن حكم المباراة الكونغولي "جان جاك ندالا". هذا التقرير التكميلي، الذي قُدّم ليطّلع عليه قضاة المحكمة، احتوى على معطيات جديدة تشرح الظروف والملابسات التي قادت إلى اتخاذ القرار التأديبي الأول.
وفي المقابل، ارتكزت استراتيجية الدفاع السنغالي على طعن القرار عبر تحميل حكم اللقاء المسؤولية كاملة، بدعوى أنه هو من أمر بمواصلة اللعب وأن خروج اللاعبين لم يكن انسحاباً كاملاً بل ظل لاعب واحد على الأقل داخل رقعة الملعب.
الاستناد إلى النصوص الصريحة للوائح "الكاف"
يعتمد الموقف المغربي ومعه قرار لجنة الاستئناف بـ "الكاف" على تطبيق أحكام المادتين 82 و83 من اللوائح المنظمة للمسابقات الإفريقية. وتَنص المادتان بشكل صريح ومباشر على إقرار الخسارة التلقائية في حق أي فريق ينسحب أو يتسبب في توقيف المباراة دون إذن رسمي من حكم اللقاء.
انضباط إعلامي وتصريحات ما بعد الجلسة
انتهت أطوار الجلسة قبل موعدها المحدد بربع ساعة. وعقب الخروج، أشار الأمين العام للاتحاد السنغالي إلى أن هيئة دفاعهم قدمت كافة الملاحظات والمرافعات دفاعاً عن موقفهم.
في المقابل، التزم الكاتب العام للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، السيد طارق ناجم، بالتعليمات والتوصيات الصارمة الصادرة عن محكمة "طاس" والتي تحظر الإدلاء بتصريحات إعلامية قد تؤثر على الرأي العام أو تكشف أسرار المداولات. واكتفى السيد طارق ناجم بعبارة مختصرة وحاسمة أظهرت حجم الثقة في الموقف المغربي قائلاً: «الكأس ستكون مغربية إن شاء الله».
السيناريوهات القانونية وموعد النطق بالحكم
تدخل المحكمة حالياً مرحلة المداولات الجماعية لصياغة القرار بالأغلبية قبل إخضاعه للمراجعة القانونية الداخلية. وتشير المعطيات إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- تأييد قرار "الكاف": تثبيت فوز المغرب وتأكيد تتويجه بطلاً لكأس إفريقيا.
- إلغاء القرار: تجريد المغرب وإعلان السنغال بطلاً.
- إعادة الملف: إحالة القضية مجدداً على لجنة الاستئناف بـ "الكاف" لإعادة البت فيها بتركيبة أعضاء جديدة.
وتتجه أغلب القراءات القانونية لصالح الموقف المغربي نظرًا لأن السيناريو الأول والثالث يخدمان المصلحة المغربية استناداً لصراحة المادة 82.
أما بشأن التاريخ المحدد لإعلان القرار النهائي، فقد أوضح المدير العام للمحكمة الرياضية أن الهدف هو إصدار الحكم في أقرب وقت ممكن خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة. ويستلزم الملف دراسة متأنية ودقيقة جداً لكون محكمة "طاس" تمثل درجة التقاضي الأخيرة والأعلى في العدالة الرياضية الدولية.
يمثل هذا الملف محطة مفصلية لترسيخ سيادة القانون في الكرة الإفريقية؛ إذ إن فرض العقوبات اللائحية على حالات الانسحاب يضمن حماية التنافس الشريف وصيانة مستقبل المسابقات القارية.
