في لحظة عالمية شديدة الحساسية، وبين تصاعد التوترات الاقتصادية والجيوسياسية، اتخذ الاتحاد الأوروبي قرارًا استراتيجيًا سيغيّر موازين التجارة العالمية. خطوة وُصفت بأنها صفعة مباشرة لسياسات دونالد ترامب الحمائية، ورسالة واضحة للصين مفادها: أوروبا لم تعد تضع بيضها في سلة واحدة.
اتفاقية تاريخية بين أوروبا والهند
في 27 يناير 2026، وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارة حرة وُصفت بأنها من الأضخم في تاريخ الاقتصاد العالمي، بحضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
الاتفاقية تجمع 27 دولة أوروبية مع قوة سكانية تتجاوز 1.45 مليار نسمة، في سوق تمثل نحو ربع سكان العالم، وثلث التجارة العالمية، وحوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
أرقام تغيّر قواعد اللعبة
- حجم التبادل التجاري سنة 2024: 120 مليار يورو
- نمو التجارة خلال عقد: +90%
- إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على 96% من الصادرات الأوروبية
- خفض الرسوم على السيارات الأوروبية من 110% إلى 10% تدريجيًا
هذا الخفض يفتح السوق الهندية أمام العلامات الأوروبية الكبرى مثل BMW وMercedes وVolkswagen وRenault، إلى جانب المنتجات الفاخرة والنبيذ والمشروبات الروحية.
إعادة رسم سلاسل التوريد العالمية
الاتفاقية لا تقتصر على السلع فقط، بل تشمل الخدمات المالية، الاستثمارات، حماية الملكية الفكرية، تبسيط الإجراءات الجمركية، وتعزيز حماية البيانات الرقمية، ما يجعلها اتفاقية شاملة تعيد هيكلة سلاسل التوريد العالمية.
في المقابل، ستدخل المنسوجات والجلود والمجوهرات والمنتجات الهندسية إلى السوق الأوروبية برسوم شبه منعدمة، مع توقعات بوصول الصادرات الهندسية الهندية إلى 25 مليار دولار خلال عامين.
صفعة مباشرة لترامب
منذ عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، أعادت الولايات المتحدة تبني سياسات حمائية صارمة، شملت فرض رسوم جمركية مرتفعة على الصلب والألمنيوم والسيارات الأوروبية، إضافة إلى تهديدات متكررة بإلغاء أو تعديل الاتفاقيات التجارية.
أمام هذا الواقع، قرر الاتحاد الأوروبي التحرّك بخطوة استراتيجية جريئة، وعدم ربط مستقبله الاقتصادي بمزاج سياسي أمريكي متقلب، فجاءت الصفقة مع الهند كرسالة سياسية صامتة مفادها: أوروبا قادرة على حماية مصالحها دون الاعتماد على واشنطن.
تراجع الثقة في الصين
لسنوات طويلة، شكّلت الصين العمود الفقري لسلاسل التوريد الأوروبية، غير أن التوترات السياسية، والخلافات حول التكنولوجيا المتقدمة، وقضايا الإغراق الصناعي والملكية الفكرية، دفعت أوروبا لإعادة تقييم هذه العلاقة.
الهند ظهرت كبديل استراتيجي أكثر توازنًا، باقتصاد صاعد وطبقة وسطى ضخمة وبيئة سياسية أكثر استقرارًا نسبيًا، ما جعلها الشريك الأنسب للمرحلة المقبلة.
تحول في موازين القوى العالمية
هذه الاتفاقية لا تعني القطيعة مع الصين، لكنها تعكس بوضوح توجّه أوروبا نحو تنويع شركائها وتقليل الاعتماد على أي قوة واحدة. خطوة تُعيد رسم الخرائط الاقتصادية، وتنقل جزءًا من الصناعات الأوروبية من آسيا الشرقية إلى جنوب آسيا.
ما جرى في السابع والعشرين من يناير 2026 ليس مجرد اتفاق تجاري، بل إعلان واضح عن ولادة نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، حيث لم تعد هناك قوة واحدة تتحكم في مسار التجارة الدولية.
خلاصة استراتيجية
أوروبا اختارت أن تكون صانعة قرار لا تابعًا، وأن تحمي صناعاتها وأسواقها عبر شراكات ذكية ومتعددة. صفقة الهند كانت رسالة قوية لترامب، وإشارة واضحة للصين، بأن زمن الاعتماد الأحادي قد انتهى.
