في الأسواق العالمية والمحلية، وصل سعر الذهب إلى مرحلة الجنون. تريليونات الدولارات استثمرتها الحكومات والمصارف المركزية، ورجال الأعمال، وحتى الأفراد العاديون. الجميع يريد المعدن الأثمن عالمياً. نشهد ارتفاعاً غير مسبوق، يليه انخفاض كبير، ثم عودة للارتفاع في دورة مجنونة تحركها سبعة تريونات من الدولارات وزيادة هائلة في الاستثمار.
ماذا يحدث في "لعبة الذهب"؟ وكيف يتأثر المعدن الأصفر بالأحداث الدولية وبمزاج الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا والصين؟
الذهب عبر العصور: من القداسة إلى الاقتصاد
حظي الذهب بمكانة خاصة عند البشر منذ القدم. كان مرادفاً للقيمة والسلطة. في مصر القديمة، اعتبر معدناً مقدساً ورمزاً للخلود والقوة الإلهية، وارتبط بالملوك والمعابد. مع تطور المجتمعات، تحول من رمز ديني إلى أساس اقتصادي متين، مستخدماً كعملة للتبادل ومخزناً للقيمة.
حجر الزاوية المالي
أقيمت إمبراطوريات على احتياطيات الذهب، وظل المعدن النفيس حجر الزاوية في دعم العملات الوطنية حتى بعد التخلي عن "معيار الذهب" رسمياً. في أوقات الأزمات والحروب والتضخم، يبقى هو الملاذ الآمن الأخير.
خريطة احتياطيات الذهب العالمية
تمتلك الدول احتياطيات ضخمة من الذهب لتعزيز ثقلها المالي. وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول عالمياً بفارق كبير، مما يمنحها هيمنة نقدية واضحة.
| الترتيب | الدولة | الاحتياطي (طن) | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| 1 | الولايات المتحدة الأمريكية | 8,133 | تمثل نحو 25% من الاحتياطي العالمي |
| 2 | ألمانيا | 3,351 | - |
| 3 | إيطاليا | 2,452 | - |
| 4 | فرنسا | 2,437 | - |
| 5 | روسيا | 2,335 | - |
| 6 | الصين | 2,280 | توقعات بأن البيانات الرسمية لا تعكس كامل المشتريات |
جنون الأسعار: رحلة الصعود والهبوط
رغم كونه الملاذ الآمن، يشهد الذهب تقلبات كبرى. في بداية عام 2024، وصل سعر الذهب إلى نحو 2,620 دولار للأونصة. ورغم أن الخبراء توقعوا زيادات طفيفة، إلا أن الواقع فاق كل التوقعات.
تُعد هذه الزيادة (وصولاً لـ 4000 دولار في 2025) الأكبر منذ نحو 46 عاماً، مدفوعة بتوترات جيوسياسية وتغيرات في السياسات النقدية.
ترامب والفيدرالي: صراع يؤجج الأسواق
هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جيروم باول، رئيس البنك الفيدرالي، بشكل واضح في يوليو 2025، واصفاً إياه بـ "الغبي" لعدم رغبته في خفض الفائدة. يسعى ترامب لخفض الفائدة لموازنة تأثير التعريفات الجمركية التي يفرضها على الصين.
تحدى البنك الفيدرالي ضغوط ترامب، لكن تلويح الرئيس بإقالة محافظي البنك أو حتى رئيسه أثار مخاوف المستثمرين، مما دفعهم بقوة نحو سوق الذهب كملاذ من عدم اليقين السياسي في واشنطن.
حمى الاستثمار في الصناديق المتداولة
تُظهر بيانات مجلس الذهب العالمي تحولاً جذرياً في سلوك المستثمرين. ارتفع صافي التدفقات الداخلية إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب بشكل قياسي.
- في الأسابيع الأخيرة من أكتوبر 2025، بلغت التدفقات 13.6 مليار دولار.
- تحتفظ هذه الصناديق الآن بنحو 3,300 طن من الذهب.
- التوقعات أشارت لاحتمال وصول الأونصة إلى 6,000 دولار بنهاية 2026.
أوروبا: الذهب يتفوق على العملات
كشف البنك المركزي الأوروبي في تقييمه السنوي أن حصة الذهب من الاحتياطيات الأجنبية العالمية بأسعار السوق تتزايد، في حين واصل الدولار الأمريكي انخفاضه ليصل لما دون الـ 50% بقليل من الاحتياطيات الدولية. هذا التحول يعكس رغبة القارة العجوز والعالم في تنويع الأصول بعيداً عن العملات الورقية التقليدية.
انهيار مفاجئ وصدمة يناير 2026
بعد أن وصل الذهب إلى قمة 5,395 دولار للأونصة في مطلع 2026، هوت الأسعار بشكل مفاجئ بأكثر من 8% في آخر أيام شهر يناير، مسجلة أسوأ أداء يومي منذ عام 1983.
سبب الانهيار: "تأثير كيفين وورش"
جاء الهبوط متأثراً بارتفاع الدولار الأمريكي عقب إعلان الرئيس ترامب اختيار كيفين وورش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. صعود الدولار جاء نتيجة توقعات بتبني سياسة نقدية أكثر تشدداً، مما قلل جاذبية الذهب مؤقتاً.
ورغم هذا التراجع الحاد، ما يزال الذهب في طريقه لتحقيق مكاسب قوية على المدى الطويل، فيما سجلت الفضة أفضل أداء شهري في تاريخها، مما يعكس حالة اضطراب عالمي وعدم يقين مستمر.
الخاتمة: مرآة العالم
لم يعد الذهب مجرد معدن يتداول في الأسواق، بل أصبح مرآة صادقة تعكس خوف العالم، طموحاته، صراعاته وتحالفاته. كل ارتفاع في سعره يحكي قصة قلق، وكل هبوط مفاجئ يكشف قراراً سياسياً أو تحولاً في موازين القوى من واشنطن إلى بكين.
في عالم تزداد فيه الاضطرابات وتضعف فيه الثقة بالأنظمة، سيبقى الذهب حاضراً كاللاعب الرئيسي في لعبة الاقتصاد العالمي، والقصة لم تنتهِ بعد.
