✍️…دوكتي نيوز 🌍 – يشهد الساحل الإفريقي تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، مع بروز اتحاد دول الساحل الذي يضم كلاً من مالي، النيجر، وبوركينافاسو، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ عقود، وتهدف إلى كسر التبعية الخارجية وبناء قوة إقليمية مستقلة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
من إمبراطورية السونغاي إلى اتحاد الساحل
قبل ترسيم الحدود الاستعمارية، كانت منطقة الساحل الإفريقي موحدة تحت راية إمبراطورية السونغاي، إحدى أعظم الإمبراطوريات التي عرفتها إفريقيا في القرن الـ15، والتي امتدت من غرب القارة إلى عمقها، وشملت مناطق تُعرف اليوم بمالي والنيجر وبوركينافاسو.
اليوم، يرى مراقبون أن قادة هذه الدول يسعون إلى إحياء ذلك الامتداد التاريخي، لكن بصيغة حديثة تقوم على التحالف الكونفدرالي بدل الإمبراطورية.
الانقلابات العسكرية… الشرارة الأولى
ما بين 2020 و2023، عاشت دول الساحل الثلاث على وقع انقلابات عسكرية متتالية، أطاحت بالحكومات المدنية في ظل تفاقم التهديدات الأمنية وانتشار الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة وداعش.
فشل التدخل العسكري الغربي، خصوصاً الفرنسي، في تحقيق الاستقرار، غذّى غضب الشارع والجيش معاً، وفتح الباب أمام أنظمة عسكرية رأت في الوحدة الإقليمية مخرجاً من العزلة والضغوط الدولية.
تأسيس تحالف دول الساحل (AES)
في سبتمبر 2023، ومع التهديد بتدخل عسكري خارجي في النيجر عقب انقلابها، أعلنت مالي وبوركينافاسو أن أي هجوم على نيامي يُعد هجوماً عليهما، ليتم لاحقاً توقيع اتفاق دفاع مشترك.
وفي يوليوز 2024، أُعلن رسمياً عن تأسيس تحالف دول الساحل (Alliance des États du Sahel – AES)، ككونفدرالية تهدف إلى الدمج السياسي والاقتصادي والعسكري بين الدول الثلاث.
خطوات عملية نحو دولة موحدة
منذ تأسيسه، اتخذ اتحاد دول الساحل خطوات متسارعة، أبرزها:
- الانسحاب النهائي من مجموعة الإيكواس
- إطلاق جواز سفر موحد لمواطني الاتحاد
- تأسيس قوة عسكرية مشتركة تضم نحو 5000 جندي
- إطلاق علم رسمي للاتحاد في فبراير 2025
- التحضير لبرلمان كونفدرالي مشترك
- إطلاق قناة تلفزيونية رسمية باسم AES TV
ثروات دول الساحل: كنز استراتيجي غير مستغل
يمتلك اتحاد دول الساحل ثروات طبيعية هائلة تجعله لاعباً محتملاً في الاقتصاد العالمي، أبرزها:
يورانيوم النيجر
تُعد النيجر من أكبر منتجي اليورانيوم في العالم، وكانت تزود أوروبا بنسبة مهمة من احتياجاتها. التحكم السيادي في هذا المورد يمنح الاتحاد ورقة ضغط استراتيجية في سوق الطاقة النووية.
الذهب في مالي وبوركينافاسو
تحتل مالي وبوركينافاسو مراتب متقدمة إفريقياً في إنتاج الذهب، غير أن معظم العائدات كانت تذهب لشركات أجنبية، وهو ما يسعى الاتحاد الجديد إلى تغييره عبر التصنيع المحلي.
بنك استثماري وعملة مرتقبة
في دجنبر 2025، أعلن الاتحاد عن إنشاء بنك الاستثمار والتنمية الكونفدرالي برأسمال يقارب 895 مليون دولار، يهدف إلى تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والفلاحة، وتقليص الاعتماد على المؤسسات المالية المرتبطة بفرنسا.
كما يعمل التكتل على إطلاق عملة جديدة تعوض الفرنك الإفريقي، في خطوة توصف بأنها إعلان استقلال مالي فعلي.
المغرب ومبادرة الأطلسي: شراكة استراتيجية
نظراً لغياب منفذ بحري لدول الاتحاد، تبرز مبادرة الأطلسي المغربية كخيار استراتيجي يمنح دول الساحل وصولاً آمناً إلى المحيط الأطلسي، بعيداً عن التعقيدات الجيوسياسية.
وتُعد العلاقة بين المغرب ودول الساحل مرشحة للتطور، خاصة في مجالات اللوجستيك، الطاقة، والتبادل التجاري.
هل نحن أمام قوة إفريقية جديدة؟
بمساحة تتجاوز 2.7 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكان يناهز 78 مليون نسمة، وثروات طبيعية ضخمة، يملك اتحاد دول الساحل كل المقومات ليصبح أحد أبرز التكتلات الصاعدة في إفريقيا.
غير أن نجاح هذا المشروع سيظل رهيناً بمدى قدرته على تحقيق الأمن، وبناء مؤسسات مستقرة، وتحويل الثروة إلى تنمية حقيقية.
