في مشهد دبلوماسي يحمل دلالات عميقة، يبدو أن جدار الرفض الذي شيدته الجزائر لعقود قد بدأ بالتصدع. ليس برغبة طوعية، بل تحت وطأة واقع جيوسياسي جديد فرضته التحولات الدولية والضغط الأمريكي الصارم. إن ما يجري اليوم خلف الكواليس الدبلوماسية يتجاوز مجرد لقاءات عابرة؛ إنه اعتراف ضمني -وإن كان صامتاً- بأن شعار "لسنا طرفاً" في نزاع الصحراء المغربية قد سقط بالتقادم أمام مجلس الأمن، ليحل محله منطق المسؤولية المباشرة.
من الخطابات النارية إلى طاولة الواقعية
لقد عاشت الدبلوماسية الجزائرية لعقود على سردية واحدة مفادها أنها مجرد "مراقب" يهتم بحقوق الشعوب، لكن التطورات الأخيرة في اليومين الماضيين كشفت عورة هذا الموقف. الجلوس إلى الطاولة، بوجود وسطاء دوليين وبنظرة أمريكية فاحصة، هو توقيع حي على وثيقة الحقيقة: الجزائر طرف رئيسي، والحل لا يمر إلا عبرها ومعها. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات لقرارات مجلس الأمن التي باتت تشير بالاسم إلى الأطراف الحقيقية للنزاع، داحضة بذلك سنوات من الهروب إلى الأمام.
الدور الأمريكي وإنهاء المناورات
لا يمكن قراءة هذا المستجد بمعزل عن الدور الأمريكي المتعاظم في المنطقة. واشنطن، التي تعتمد البراغماتية في حل النزاعات المزمنة، لم تعد تقبل بالمنطقة الرمادية. الرسالة التي وصلت لقصر المرادية كانت واضحة: "أنتم هنا، إذن أنتم طرف". ما كان يمكن للجزائر أن تحققه في سبعينيات القرن الماضي بتفاهمات ثنائية تحفظ ماء الوجه وتضمن حسن الجوار، أصبحت اليوم مجبرة على تنفيذه كإملاءات دولية، وفي إطار قرارات أممية لا تقبل التأويل، مما يضعف موقفها التفاوضي ويجعلها في مواجهة مباشرة مع المنتظم الدولي.
التصعيد كغشاوة للدخان
في محاولة للتغطية على هذا التراجع الدبلوماسي الاستراتيجي، يلاحظ المراقبون لجوء الجارة الشرقية إلى تصعيد غير مسبوق في ملفات هامشية. يمكن قراءة التوترات المفتعلة في التظاهرات الرياضية، ومحاولات تسييس كأس أمم إفريقيا، كجزء من تفريغ الاحتقان الداخلي. الأخطر من ذلك هو الانزلاق نحو الترويع الميداني، كما حدث في حوادث إطلاق النار على الحدود وتهجير سكان الواحات، في سلوك يعكس ارتباكاً واضحاً.
لم يقف الأمر عند الحدود مع المغرب، بل امتد التوتر ليشمل أطرافاً عربية أخرى، مثل التصعيد الإعلامي والدبلوماسي غير المبرر تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة. كل هذه التحركات تبدو كمحاولات يائسة لصرف الأنظار عن الحدث الأهم: الصحراء المغربية باتت ملفاً محسوماً، والجزائر تُساق اليوم إلى مربع التسوية النهائية كطرف معني، شاءت أم أبت.
مستقبل المنطقة على ضوء المستجدات
إن الرضوخ لمنطق التفاوض قد يكون بداية النهاية لهذا النزاع المفتعل. فالمغرب، الذي حصن موقفه باعترافات دولية وازنة ودعم أممي لمبادرة الحكم الذاتي، يجلس اليوم بأريحية الطرف المنتصر دبلوماسياً وتنموياً. في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام خيارين: إما الانخراط الجدي لطي هذا الملف وبناء مغرب كبير، أو الاستمرار في استنزاف مقدراتها في معاكسة التيار الدولي، وهو خيار باتت كلفته السياسية والاقتصادية باهظة جداً.
للمزيد من التحليلات المعمقة حول هذا الملف وقضايا المنطقة، يمكنكم متابعة التغطيات المستمرة عبر أخبار دوكيتي.
تحليل المشهد الإخباري
يُظهر التحليل الجيوسياسي للموقف أن الجزائر تواجه عزلة دبلوماسية متزايدة فيما يخص ملف الصحراء المغربية. الانتقال من 'دبلوماسية المقعد الشاغر' أو الاختباء وراء جبهة البوليساريو إلى الحضور المباشر في الاجتماعات التي ترعاها الولايات المتحدة والأمم المتحدة يمثل انكساراً للعقيدة الدبلوماسية الجزائرية التقليدية. هذا التغير يشير إلى نجاح الاستراتيجية المغربية القائمة على 'الحزم الدبلوماسي' وتنويع الشراكات، مما جعل القوى الكبرى تضغط لإنهاء النزاع بناءً على الأمر الواقع. التصعيد الجانبي (رياضياً وحدودياً) هو سلوك كلاسيكي في العلاقات الدولية يُعرف بـ 'سياسة حافة الهاوية' للتغطية على التنازلات الجوهرية في الملفات الأساسية.
في المحصلة، الحقيقة التي تعرت اليوم هي أن النزاع حول الصحراء المغربية لم يعد يحتمل المزيد من المناورات. الجزائر، بجلوسها على الطاولة، قد خطت الخطوة الأولى نحو الاعتراف بمسؤوليتها، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة قد تشهد طياً نهائياً لهذا الملف، ليس بناءً على الأوهام، بل استناداً للشرعية الدولية والواقعية السياسية.
المصدر: Doketi News
