خلف أرقام الضحايا وصور الدمار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة في الجنوب الشرقي للمغرب، تكمن قصة أخرى لم تُرْو بعد. قصة محفورة في أسماء القرى والمداشر، لغة جغرافية قديمة صاغها الأجداد الأمازيغ بدقة متناهية لتكون بمثابة 'نظام إنذار مبكر' عابر للزمن. اليوم، ومع تكرار الكوارث في نفس النقاط الجغرافية، يطرح السؤال المؤلم نفسه: هل كان أجدادنا يحاولون تحذيرنا بأسماء مثل 'آسفي' و'تالات'، ونحن من فقدنا مفتاح الشفرة؟
الذاكرة المائية: عندما يكون الاسم خارطة نجاة
لم تكن تسمية الأماكن عند المغاربة القدامى ترفاً لغوياً أو مجرد صدفة، بل كانت عملية مسح طوبوغرافية دقيقة للمخاطر المحتملة. يكشف التحليل اللغوي لأسماء عدد من المناطق المنكوبة مؤخراً أن أسماءها بحد ذاتها كانت تحمل وصفاً دقيقاً لطبيعتها الكارثية.
شيفرة 'آسفي' و'درعة'
خذ مثلاً مدينة 'آسفي'، التي تشير جذورها الأمازيغية (Asfi) إلى معنى 'المصب' أو 'المسيل' الذي تفرغ فيه المياه بقوة. هذا الاسم لم يوضع عبثاً، بل كان توثيقاً تاريخياً لكون المنطقة نقطة تجميع مياه طبيعية. وبالمثل، يحمل اسم 'وادي درعة' في طياته معاني 'الاندفاع' (Dra/Dra'a)، واصفاً الطبيعة الهوجاء للمياه التي تعود لاحتلال مجراها القديم مهما طال سنوات الجفاف.
القطيعة المعرفية: وهم الأمان الحديث
يرى خبراء التاريخ والجغرافيا أن المغرب يعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ 'القطيعة المعرفية' مع مجاله الترابي. فبينما كان الأقدمون يبنون قراهم (الدوواير) في المرتفعات (أكادير، إيغرم) تاركين الوديان للزراعة فقط، زحف العمران الحديث تحت ضغط التوسع السكاني نحو 'مجاري الموت'.
ساهمت عقود الجفاف وبناء السدود الكبرى في خلق ما يسمى بـ 'وهم الأمان'، حيث اعتقد المخططون أن 'الواد نسي طريقه'. لكن الطبيعة، كما أثبتت أحداث طاطا والحوز ومراكش الأخيرة، ذاكرتها حديدية لا تصدأ. فالوديان التي جفت لقرن، عادت لتجرف من سكنوا في قلبها، مصدقة للمثل المغربي القديم: 'الواد ما كينساش طريقو'.
درس الزلزال والطوفان
لم يقتصر الأمر على الفيضانات؛ فحتى في زلزال الحوز، أظهرت الدراسات أن التجمعات السكنية القديمة كانت غالباً مبنية في مناطق أكثر استقراراً جيولوجياً أو بطرق معمارية مرنة، بينما تركز الدمار الأكبر في البنايات الاسمنتية الحديثة التي تجاهلت طبيعة التربة التي حذرت منها التسميات المحلية القديمة التي تشير للرخاوة أو الانزلاق (مثل الأسماء التي تبدأ بـ 'تيزي' في سياقات معينة تعني الممر الصعب أو المنحدر الخطر).
نحو مصالحة مع الذاكرة الجغرافية
إن العودة لفهم 'الطوبونيميا' (علم أسماء الأماكن) ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة ملحة في صلب استراتيجيات تدبير المخاطر والكوارث. يجب أن يُقرأ اسم المكان كوثيقة تعمير ملزمة؛ فإذا كان المكان يسمى 'تالات' (الشعبة أو الوادي)، فلا يجب أن يُمنح فيه ترخيص لبناء مدرسة أو حي سكني.
تحليل المشهد الإخباري
يُبرز هذا التقرير زاوية تحليلية نادرة تربط بين اللسانيات (علم اللغة) والهندسة المدنية وإدارة المخاطر. في حين يركز الإعلام التقليدي على التغير المناخي كسبب وحيد للكوارث، تسلط هذه المقالة الضوء على العامل البشري المتمثل في سوء التخطيط وتجاهل 'البيانات التاريخية' المفتوحة المصدر المتمثلة في أسماء الأماكن. التحليل يشير إلى أن الحداثة العمرانية في المغرب تعاملت بتعالي مع المعرفة المحلية (Local Knowledge)، مما أدى إلى كلفة باهظة في الأرواح. هذه 'العودة للأصول' ليست دعوة للعيش في الماضي، بل لاستثمار حكمة الماضي في حماية المستقبل، وهو توجه عالمي حديث يُعرف بـ 'Indigenous Knowledge Systems in Disaster Risk Reduction'.
في الختام، تبقى أسماء الأماكن في المغرب أكثر من مجرد لافتات على الطرق؛ إنها وصايا الأجداد المحفورة في الأرض. تجاهلُ هذه الوصايا تحت ذريعة الحداثة أو بفعل النسيان لم يعد خياراً مقبولاً في زمن التغيرات المناخية المتطرفة. قد تكون الخطوة الأولى لحماية مدننا مستقبلاً هي ببساطة: أن نصغي جيداً لأسمائها.
المصدر: Doketi News
