ما وراء الكواليس: تطور نزاع الصحراء والزخم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي

دوكتي نيوز 🌐
0
ما وراء الكواليس: تطور نزاع الصحراء والزخم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي

تشكل قضية الصحراء المغربية حجر الزاوية في العقيدة الوطنية المغربية، وهي ليست مجرد نزاع إقليمي، بل مسار تاريخي طويل لاستكمال الوحدة الترابية للمملكة. من حقبة الاستعمار الإسباني التي مزقت خريطة المغرب، مروراً بالملحمة الشعبية السلمية المتمثلة في المسيرة الخضراء، وصولاً إلى المعارك الدبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة، شهد هذا الملف تحولات جذرية. اليوم، ومع توالي الاعترافات الدولية وقرارات مجلس الأمن التي تشيد بمبادرة الحكم الذاتي، نغوص في عمق هذا الملف لنفهم كيف انتقل المغرب من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة الحسم الدبلوماسي.

الجذور التاريخية: الوجود الإسباني وتقسيم المغرب

لا يمكن فهم قضية الصحراء المغربية بمعزل عن السياق الاستعماري الذي شهدته شمال إفريقيا في القرن التاسع عشر. فمنذ عام 1884، بسطت إسبانيا سيطرتها على الساحل الصحراوي، مما أدى إلى فصل جنوب المغرب عن شماله ووسطه. هذه الحقبة لم تكن مجرد احتلال عسكري، بل كانت محاولة لطمس الروابط القانونية والشرعية (البيعة) التي كانت تربط دائماً قبائل الصحراء بالسلاطين العلويين.

وطوال فترة الحماية، لم تتوقف المقاومة المغربية في الجنوب، حيث خاضت القبائل الصحراوية وجيش التحرير معارك ضارية ضد المستعمر، مؤكدين تشبثهم بالعرش المغربي.

نقطة التحول: المسيرة الخضراء واتفاقية مدريد

شكل عام 1975 منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة. فبعد صدور رأي محكمة العدل الدولية الذي أقر بوجود روابط ولاء قانونية بين سلاطين المغرب وقبائل الصحراء، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن تنظيم "المسيرة الخضراء". هذه الملحمة السلمية التي شارك فيها 350 ألف مغربي، أجبرت إسبانيا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مما أفضى إلى توقيع اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975، والتي بموجبها انسحبت إسبانيا واسترجع المغرب أقاليمه الجنوبية.

الدينامية الأممية: من وقف إطلاق النار إلى المقاربة السياسية

بعد استرجاع الأقاليم، دخل الملف في دهاليز الأمم المتحدة. وبعد سنوات من النزاع المسلح المفتعل من قبل جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار عام 1991 وإنشاء بعثة "المينورسو".

لسنوات طويلة، تعثرت خطط الاستفتاء بسبب استحالة تحديد الهوية القبلية وعدم واقعية الطرح، مما دفع مجلس الأمن منذ بداية الألفية الثالثة إلى دعوة الأطراف للبحث عن "حل سياسي عادل، دائم، ومقبول من الطرفين".

مبادرة الحكم الذاتي: الحل الأكثر مصداقية

في عام 2007، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية. وقد شكل هذا المقترح تحولاً جوهرياً في مسار الملف، حيث وصفته قرارات مجلس الأمن المتتالية بأنه مقترح "جدي وذو مصداقية".

قراءة في القرارات الأممية الأخيرة

شهدت السنوات الأخيرة زخماً غير مسبوق لصالح الموقف المغربي. قرارات مجلس الأمن الأخيرة (مثل القرار 2654 و 2703) كرست سمو مبادرة الحكم الذاتي كإطار وحيد للحل. وقد تضمنت هذه القرارات لغة واضحة تدعو إلى "الواقعية" و"التوافق"، مبتعدة تماماً عن الأطروحات الانفصالية المتجاوزة.

ورغم الإشارة أحياناً إلى أرقام قرارات مختلفة في النقاش العام، إلا أن الجوهر الثابت في كافة مخرجات مجلس الأمن منذ 2007 هو الدفن العملي لخيار الاستفتاء والتركيز الحصري على الحل السياسي الذي يضمن الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجسده المقترح المغربي.

التنمية كأمر واقع

بالموازاة مع المسار السياسي، فرض المغرب واقعاً تنموياً على الأرض. النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية حول مدناً مثل العيون والداخلة إلى أقطاب اقتصادية عالمية، مما عزز القناعة الدولية بأن السيادة المغربية هي الضامن الوحيد لازدهار واستقرار المنطقة.


تحليل المشهد الإخباري

يُظهر التحليل المعمق لمسار قضية الصحراء المغربية أن الدبلوماسية المغربية نجحت في تحييد الأطروحات التقليدية للخصوم عبر استراتيجية النفس الطويل. الانتقال من إدارة الصراع العسكري إلى فرض الحل السياسي (الحكم الذاتي) مدعوماً باعترافات دولية وازنة (الولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا، وفرنسا مؤخراً) يشير إلى أن النزاع يقترب من نهايته الإكلينيكية لصالح المغرب. القرارات الأممية الأخيرة لم تعد تساوي بين الطرفين، بل أصبحت تضغط بشكل أكبر على الأطراف الأخرى للانخراط في الموائد المستديرة، معتبرة أن الحكم الذاتي هو السقف الواقعي الوحيد للحل. هذا التحول يعكس وعي المجتمع الدولي بأن استقرار منطقة الساحل والصحراء لا يمكن أن يتحقق إلا تحت السيادة المغربية.

ختاماً، يمكن القول إن ملف الصحراء المغربية قد تجاوز مرحلة إثبات الحقوق التاريخية إلى مرحلة تكريس الشرعية الدولية. المسار من الاستعمار الإسباني إلى قرارات الأمم المتحدة الحالية يؤكد حقيقة واحدة: الصحراء مغربية بالتاريخ، بالقانون، وبالواقع الميداني، وأن الحل النهائي لن يخرج عن إطار السيادة الوطنية للمملكة.

المصدر: Doketi News

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !